محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

634

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والمذهبان مصدرا مسألة السمع والعقل والجبر والاختيار والتشبيه والتعطيل ؛ وكان الخليل - عليه السلام - ينصر مذهب الحنفاء ، ويبطل مذهب الصابئة ، ويردّ على عبدة الكواكب بالأفول ، وعلى عبدة الأصنام بنفي السمع والبصر والقول ، وعلى عبدة الروحانيات بإظهار معجزات الجسمانيات واستخبار العلويات ، وعلى أهل الطبائع ببرد النار ، وعلى من يدّعي الإحياء والإماتة في الطبيعيات بأمور فوق الطبائع بأنّ اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، وعلى من ينكر حشر الأجساد بأن يأخذ أربعة من الطير فيصرهن إليه ، وعلى أبيه بكسر الأصنام إلّا كبيرا لهم ، ولم يلحقه ضرر المسّ بالسوء ، وإحالة الفعل على كبيرهم ، ولم يتعلّق به عار القول بالزور . فالحنيفية هو التوحيد الخالص ، والصبوة إشراك باللّه ، والتوحيد الخالص تعريفه تعالى برجال مخصوصين ، والإشراك باللّه هو العدول باللّه إلى غير اللّه اسما وصفة وفعلا وبالجملة خلقا وأمرا ، وكذلك العدول بأنبياء اللّه وأصفيائه إلى غيرهم قولا وفعلا ، حنفاء للّه غير مشركين به حنيفا مسلما ، « وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » * يشير إلى هذا المعنى . وسرّ آخر : الحنيفية هي الفطرة والفطرة على الطهارة والطهارة هي الاستقامة ، وفي الخبر عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « خلق اللّه تعالى العباد حنفاء ؛ فأحالتهم الشياطين عنها » ؟ وفي الخبر أيضا أنّه - صلّى اللّه عليه وآله - قال : « كلّ مولود يولد على الفطرة ؛ فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » 6 فلم يفرّق بين الحنيفية والفطرة ؛ وفطرة الإنسان في الرحم أنّه محتاج ( 256 ب ) إلى متصرّف فيه يدبّره من حال إلى حال ، وذلك المتصرّف ملك الأرحام ، وفطرة الإنسان في الدنيا أنّه محتاج إلى متصرّف فيه يدبّر أمره من حركة إلى حركة وذلك المتصرّف نبيّ له أحكام : فتارة تحتاله الشياطين بأن تخرجه من الفطرة فتقول إنّك مستغن غير محتاج إلى من يدبّر أمرك من حركات فكرية وقولية وعملية إلى الحقّ في الأفكار والصدق في الأقوال والخير في الأفعال ؛ فعقلك يهديك ونظرك يرشدك وتجربتك تسددك ورأيك يؤدّيك ، وتارة يهوّده أبواه إن ولد على اليهودية أو ينصّرانه أو يمجّسانه ، والأنبياء - عليهم السلام - بعثوا لتقرير الفطرة وردّ الناس إلى الفطرة ؛ وذلك تقرير الحنيفية وردّ الناس إلى الحنيفية ، ومن خرج عنها ولم يرجع إليها عومل بفتواه ؛ فأخرج عن الفطرة